صابرا وشاتيلا.. ربع قرن على الجريمة ومهندس المذبحة نائم في سريره!


شارون مهندس المذبحة

لا يختلف اليوم عن الأمس القريب أو حتى البعيد.. الصراع هو الصراع والعداء بين الطرفين هو العداء.. فطرف يملك ترسانة عسكرية وحربية لا مثيل لها وطرف لا يملك إلا الحجارة وبعض الصواريخ البدائية..

الطرف الأول يدعي الخوف على أمنه فيفعل في سبيل الحفاظ على هذا الأمن كل ما من شأنه إبادة شعب.. والطرف الثاني يفعل أقصى ما في وسعه لحماية أرضه وعرضه.. ولا تزال جرائم المحتل الإسرائيلي الغاصب على الشعب الفلسطيني تمثل فيما تخلفه وراءها من ضحايا أفدح الخسائر البشرية والمعنوية، ولأننا اعتدنا سماع أخبار هذا الصراع في ظل الصمت العربي طيلة أعوام وأعوام.. فقد نسينا تواريخ مذابح الجيش الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني.. لكن في فلسطين لا أحد ينسى لأن في كل يوم جديد هناك ذكرى جديدة لواقعة قديمة يمكن أن ينساها العالم لكن لا ينساها الفلسطينيون..

ومنذ 25 عاما وقعت في لبنان واحدة من أسوأ المذابح التي صادفها الشعب الفلسطيني في تاريخه صابرا وشاتيلا.. ففي مساء 16 سبتمبر عام 1982 اقتحمت عناصر من القوات اللبنانية المارونية الموالية لإسرائيل مخيم صابرا وشاتيلا للاجئين على هدي قنابل الإضاءة الإسرائيلية وبقيادة "آرييل شارون" وزير الدفاع آنذاك، وعملوا على قتل اللاجئين لمدة ثلاثة أيام، ولم يتدخل خلالها الجيش الإسرائيلي المنتشر حول المكان وانتهى الأمر بمقتل نحو 3500 شخص، أغلبيتهم الساحقة من الفلسطينيين في مجزرة بشعة.

وقد كان أحد المتهمين البارزين بالتورط في المجزرة شخص يدعى "إيلي حبيقة" وهو مسئول جهاز الأمن والمعلومات في القوات اللبنانية في هذا الوقت، والذي لقي مصرعه في عام 2002 في انفجار سيارته ببيروت بعد أيام فقط من إعلانه استعداده للشهادة في قضية تخص المجزرة رفعت لدى محكمة بلجيكية..

وقد أتت المجزرة بعد يوم من اجتياح القوات الإسرائيلية بقيادة وزير الدفاع وقتئذ "آرييل شارون" لغرب بيروت وحصارها وحصار المخيم بناء على مزاعم بأن منظمة التحرير التي كان مقاتلوها قد غادروا لبنان قبل أقل من شهر قد خلفوا وراءهم نحو ثلاثة آلاف مقاتل في المخيم.. وتحت تلك الدعوى حوصر المخيم وقام الجيش الإسرائيلي بأمر من قيادته المتمركزة على مشارف شاتيلا بإلقاء قنابل الإنارة فوق مخيم شاتيلا لتسهيل حركة رجال الميليشيات داخله.. وقد قام هؤلاء في أيام الخميس والجمعة والسبت (16و17و18 سبتمبر) بعمليات قتل واغتصاب وتقطيع جثث طالت النساء والأطفال والشيوخ بصورة رئيسية وامتدت إلى مستشفى عكا وغزة القريبين لتشمل طواقمهما من الممرضات والأطباء، إضافة إلى عائلات لبنانية فقيرة تقيم في حي صابرا اللبناني الفقير..

وفي ذلك الوقت لم يعرف الرقم الحقيقي لضحايا تلك المجزرة.. لكن فرق الصليب الأحمر الدولي جمعت نحو 950 جثة، فيما أشارت بعض الشهادات إلى أن العدد قد تجاوز ثلاثة آلاف؛ لأن القتلة قاموا بدفن بعض الضحايا في حفر خاصة وأثار الكشف عن المجزرة ضجة في أنحاء العالم وفي إسرائيل مما دفع حكومة رئيس الوزراء آنذاك "مناحيم بيجن" إلى تشكيل لجنة تحقيق خاصة عرفت بلجنة كهان.

وقد خلصت اللجنة بعد شهور إلى أن "شارون" المعروف بمسئوليته المباشرة عن مجازر سابقة كقبية عام (1955) هو نفسه المسئول بشكل غير مباشر عن صابرا وشاتيلا؛ لأنه وجه المليشيات إلى حيث المخيم واضطر "شارون" للاستقالة من منصب وزير الدفاع آنذاك وتوارى عن المسرح السياسي لسنوات، لكنه عاد للظهور مع مطلع عام 2001 وبشكل أقوى مما كان عليه عندما فاز حزبه في الانتخابات وأصبح رئيسا للحكومة، غير أن مسئولية "شارون" الأخلاقية عن المجزرة بقيت تطارده خارج إسرائيل..

فبعد أن بثت هيئة الإذاعة البريطانية في يونيو عام 2001 برنامجا تناول احتمال محاكمته كمجرم حرب قام محامون متضامنون مع ضحايا المجزرة بتحريك القضية في بلجيكا استنادا إلى قانون "الاختصاص العالمي" المقرر عام 1993 والذي يسمح بملاحقة مجرمي الحرب..

وقد رفعت واحدة من الناجين من المجزرة وتدعى "سعاد سرور المرعي" مع أسر 28 من الضحايا دعوى أمام إحدى محاكم بلجيكا لمحاكمة "شارون"، وبادرت الأخيرة إلى فتح تحقيق في القضية وسط ضغوط إعلامية على المتهمين مما دفع "إيلي حبيقة" إلى إبداء الاستعداد للإدلاء بشهادته أمام المحققين البلجيكيين بعد أن أعلن أن لديه من المعطيات ما سيغير مسار الرواية التي أشاعتها تحقيقات لجنة كهان..


جنود إسرائيليون فرحون بأخبار المجزرة


لكن "حبيقة" ما لبث وأن اغتيل مع أربعة من مرافقيه في يناير عام 2002 في عملية تحمل في الأغلب بصمات جهاز المخابرات الإسرائيلية وتعرضت المحاكمة لاحقا للإجهاض بعد ضغوط إسرائيلية وأمريكية على بلجيكا مما دفع بلجيكا لاحقا لتعديل قانون الاختصاص العالمي.

هذا وقد أحيا مئات الفلسطينيين واللبنانيين في بيروت وفلسطين الأيام الماضية الذكرى الـ25 لمجزرة صابرا وشاتيلا، وقد رفع الناجون وأقارب الضحايا الذين تجمعوا في المخيم في الضاحية الجنوبية لبيروت صورا للمفقودين من المجزرة ولافتات تقول "حاكموا المجرمين"، و"لا تذبحونا من جديد"، و"لن ننساكم أبدا" في الوقت الذي لا يزال فيه "شارون" مهندس المجزرة راقدا في أحد مستشفيات تل أبيب في حالة أقرب إلى الموت السريري.


(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية